عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
6
اللباب في علوم الكتاب
تعليمه ، وشكر السلطان على عدله ، وشكر المحسن على إحسانه ، قال عليه الصلاة والسلام : « من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّه » فالجواب « 1 » أنّ المحمود والمشكور في الحقيقة هو اللّه تعالى ؛ لأنّ صدور الإحسان من [ قلب ] « 2 » العبد يتوقف على حصول داعية الإحسان في قلب العبد ، وحصول تلك الدّاعية في القلب ليس من العبد ، وإلّا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ، ولزم التّسلسل ، بل حصولها ليس إلّا من اللّه تعالى ، فتلك الدّاعية عند حصولها يجب الفعل ، وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلّا اللّه تبارك وتعالى ، فيكون المستحقّ لكلّ حمد في الحقيقة هو اللّه تعالى « 3 » . وأيضا فإنّ إحسان العبد إلى الغير لا يكمل إلّا بواسطة إحسان اللّه تعالى ؛ لأنّه لولا أنّ اللّه - تعالى - خلق أنواع النّعم ، وإلّا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير ، فظهر أنّه لا محسن في الحقيقة إلّا اللّه تعالى ، ولا مستحقّ للحمد في الحقيقة إلا اللّه ، فلهذا قال : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » . فصل في بيان قوله : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » بالألف واللام وإنّما قال : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » ، ولم يقل : أحمد اللّه ؛ لأنّ الحمد صفة القلب ، فربّما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللّفظة حال كونه غافلا بقلبه عند استحضار معنى الحمد ، فلو قال وقت غفلته : أحمد اللّه [ تبارك وتعالى ] كان كاذبا ، واستحقّ عليه الذّنب والعقاب حيث أخبر عن وجود شيء لم يوجد ، فإذا قال : الحمد للّه ، فمعناه أنّ ماهيّة الحمد مستحقّة للّه عزّ وجلّ ، وهذا حقّ وصدق ، سواء كان معنى الحمد حاضرا في قلبه ، أو لم يكن ، وكان هذا الكلام عبادة شريفة وطاعة ، وظهر الفرق ، واللّه أعلم « 4 » .
--> - 99 ، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1 / 83 ، نهاية السول للإسنوي 1 / 263 ، منهاج العقول للبدخشي 1 / 157 ، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ، التحصيل من المحصول للأرموي 1 / 184 ، المنخول للغزالي 14 ، المستصفى له 1 / 61 ، حاشية البناني 1 / 60 ، الإبهاج لابن السبكي 1 / 139 ، الآيات البينات لابن قاسم العبادي 1 / 97 ، حاشية العطار على جمع الجوامع 1 / 85 ، تيسير التحرير لأمير بادشاه 2 / 165 ، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى 1 / 216 ، الكوكب المنير للفتوحي 98 . ( 1 ) في أ : والجواب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 118 - 119 . ( 4 ) روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر ، فقال داود : يا رب ، وكيف أشكرك ، وشكري لك لا يحصل إلّا أن توفقني لشكرك ، وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضا ، وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ، ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له ؟ فأوحى اللّه تعالى إلى داود : لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني . إذا عرفت هذا فنقول : لو قال العبد : أحمد اللّه كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر ، فيتوجه عليه ذلك -